أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
37
شرح مقامات الحريري
المقامة الأولى وهي الصّنعانية حدّث الحارث بن همّام قال : لمّا اقتعدت غارب الاغتراب ، وأنأتني المتربة عن الأتراب ، طوّحت بي طوائح الزّمن ، إلى صنعاء اليمن ، فدخلتها خاوي الوفاض ، بادي الإنفاض ؛ لا أملك بلغة ولا أجد في جرابي مضغة . * * * إن قيل ؛ لأي معنى اختار الحريري حارثا وهماما وأبا زيد ، دون غيرهم من الأسماء ؟ فالجواب أنه إنما قصدهم لأنهم أصدق الأسماء ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الحديث المرفوع : « تسمّوا بأسماء الأنبياء وأحبّ الأسماء إلى اللّه عبد اللّه وعبد الرحمن ، وأصدقها حارث وهمام ، وأقبحها حرب ومرة » « 1 » وصدقهما أنه ليس أحد إلا وهو يحرث ، أي يحاول الكسب أو يهمّ بحاجته . وأما أبو زيد ، فإن صدق أنه إنسان بعينه كما تقدّم في الصدر وقع الاكتفاء به ، وإن لم يصدق فقد حكى أهل اللغة أنه كنية الكبر ، وأنشد ابن قتيبة : [ الطويل ] أعار أبو زيد يميني سلاحه * وحدّ سلاح الدّهر للمرء كالم وكنت إذا ما الكلب أنكر أهله * أفدّى ، وحين الكلب جذلان نائم سلاحه : العصا وإنكار الكلب أهله ، إذا لبسوا السلاح . وجذلان نائم ، في الجدب إذا ماتت المواشي فيشبع من لحومها وينام . وقال ابن الأعرابيّ : يقال للشيخ الكبير : أبو زيد وأبو سعيد والسروجيّ في الغالب إنما يصفه بالكبر والهرم . فوقعت التسمية لغوية ، وإنما عنى بالحارث بن همام نفسه لأنه يصفه بأشياء لا تليق إلا بالدهر ، مثل قوله : [ الرجز ] وكل سرح فيه ذئبي عائث * حتى كأني للأنام وارث * سامهم وحامهم ويافث *
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الأدب باب 61 ، وأحمد في المسند 4 / 345 ، والطبراني في الجامع الصغير 1 / 224 .